مجتمع المدونين الليبيين 2

في مناسبات سابقة تحدثت عن بعض الهموم التي تؤرّقني لما آل إليه (ولايزال عليه) مجتمع التدوين في ليبيا، مثل مقالة “مجتمع المدونين الليبيين 1” ومقالة “التدوين في ليبيا” كما أني من حين لآخر أطرح بعض الأفكار على بقية الشبكات الإجتماعية حول ذات الموضوع، بالإضافة لفضفضة أخرى أكثر شمولية في مقالة بعنوان “سلاح الجماهير” حول مجتمعنا وكيف أن علينا التعاضد معاً لنصرة أفراد مجتمعنا دون تمييز عرقي، ديني أو فكري.

أستمر اليوم في عرض ذات القضية مستعرضاً لكم موقفاً ونتيجة من الواقع المعاش، حتى لا يتهمني أحدكم بالمثالية والخيال، إليكم موقف وقصة حدثت لمدون أمريكي وتبعاتها وكيف تصرف مجتمع المدونون هناك وحول العالم لما آل إليه الأمر.

قصة المُڤدوِن كايل (BitWitKyle)

شرارة بداية قصتنا كانت من مؤسسة صحفية اسمها The Verge نشرت فيديو جدلي حول الكيفية الصحيحة لتجميع حاسوب، وقد تم حذف الفيديو لكن المقالة المصاحبة له لازالت موجودة في موقع المؤسسة الرسمي، كما أن الفيديو الأصلي المحذوف قد تم تحميله على اليوتيوب عدة مرات، وهذه واحدة، لكن لا أضمن إستمرار تواجدها.

المشكلة في هذا الفيديو أنه غبي جداً، حيث تم إرتكاب مصائب قد تؤدي إلى تعطيل أي من مكونات حاسوبك إن قمت بتتبع الخطوات التي تم سردها فيه، وكنتيجة لهذا الفعل، ومن باب حرية التعبير التي يكفلها القانون للجميع، مدونين كُثُر من حول العالم بدأوا بنشر فيديوات إنطباع رداً على ما جاء فيه.

من هؤلاء المدونين كان المڤدون Kyle حيث نشر فيديو كوميدي ترفيهي لشخصية Lyle الهزلية التي تنتقد طريقة تجميع الحاسوب التي قام بها المدون Stefan Etienne الموظف في مؤسسة The Verge والذي قام بتأدية الفيديو اساس المشكلة.

بعد أشهر من نشرها للفيديو وتلقيها الكم الهائل من ردود الأفعال من حول العالم من تعليقات وفيديوات وتدوينات في كافة وسائل التواصل الإجتماعي والسخرية منهم في جميعها، قامت The Verge بحذف الفيديو الأصلي من على اليوتيوب وأبقت على مقالتها المصاحبة له، وبالطبع فيديوات الإنطباعات من بقية المڤدونين بقيت.

مع مرور الوقت نسينا موضوع الفيديو المهزلة، ونسي تقريباً كل مجتمع المدونين على اليوتيوب أمر The Verge وأتجه الجميع لأشياء أهم وأحدث في عالم التقنية، ولكن!

بعد أربعة أشهر من حذفها للفيديو الأصلي قام الفريق القانوني بمؤسسة The Verge بتقديم شكوى قضائية ضد المدون Kyle في منصة يوتيوب عبر ممثلها “مؤسسة Vox Media” طالبت في شكواها بحذف الفيديو.

نظراً لأن نظام الشكاوي في يوتيوب المعطوب، فقد تم إخفاء الفيديو مباشرة دون العودة لصاحبه، بينما كان من الأجدر هو عدم المساس بالفيديو حتى يتم تقديم الأدلة والبراهين من قبل المُدّعي، فهذا مايعرف قانوناً، لكن للأسف فيوتيوب تميل لإرضاء المؤسسات على حساب الأفراد لهذا، تم تسجيل نقطة من ثلاثة على المڤدون Kyle.

مسألة الشكوى القضائية على اليوتيوب هي أمر خطير جداً، وفي بلاد يحكمها القانون هي مصيبة قد تؤثر على مصدر رزق المڤدون على اليوتيوب إن كان يعتمده كمصدر أساسي مثل Kyle، وحسب لائحة يوتيوب، حين تستلم 3 شكاوى قانونية قد يؤدي ذلك إلى حذف قناتك دون رجعة فتخسر كل متابعينك ومصدر رزقك بشكل قاطع!

توجه Kyle لمجتمع الإنترنت بعد أن قدم طلب رفض لليوتيوب رداً على هذه الشكوى مطالباً مراجعتها، وهو أمر قد يعود بالسلب عليه، ففي حالات عدة يعتبر مقدم الشكوى لديه الأفضلية وقد يكلفك ذلك خسارة نقطة فعلياً، وكما أسلفت، فيوتيوب يميل لإرضاء المؤسسات لأنها تساهم في أرباحه المالية على حساب الأفراد.

ردود أفعال مجتمع إنترنت

العديد من المڤدونين تعاضدوا مع Kyle ونشروا فيديوات كثيرة كلها تدعمه وترفض أسلوب الشكاوى القضائية حول فيديو لشخص يعبر عن رأيه فيما يسمى بالـ Fair Use لمحتوى وجده على الإنترنت، بل أن أحد المڤدونين عرض توفير المال والدعم القانوني إن لزم الأمر لمساعدة Kyle في حربه ضد مؤسسة The Verge.

كما أن العديد نشر فيديوات حول القصة منها من يفنّد دعوى The Verge ليبين كيف أنها تدعي ما لا تفعله بالدلائل من موقعها الرسمي، ومنها مايشرح كيف أن الأمر خطير إن إنتشر وسمحنا بحدوثه دون رادع حقيقي لتبداً المؤسسات تسرح وتمرح لتحذف فيديوات وقنوات بناء على عدم إعجابها برأي ذلك الشخص.

أضع لكم هنا بعضها..

بعد يوم واحد فقط تقريباً قامت يوتيوب بالرد على Kyle معلنة دعمها لحقه ورفضها الشكوى المقدمة من مؤسسة The Verge ضده رفضاً نهائياً، وقد علمنا بذلك نظراً لأن الفيديو قد عاد من جديد، كما ان Kyle قام بنشر نص الرسالة التي جاءته من يوتيوب على حسابه في تويتر.

مع أن المشكلة قد تم حلها بالنسبة لـ Kyle إلا أن المئات من رواد الإنترنت ذهبو إلى يوتيوب وبدأوا بتسجيل عدم الإعجاب على كل فيديوات قناة The Verge بل أن الكثيرين منهم تفاعلوا مع القصة على تويتر وشنوا حملة يطلبون فيها إلغاء اشتراكهم من قناة The Verge.

ممثلي المؤسسة لم يقم أي منهم علناً بالرد بشكل رسمي حول القضية مما زاد من تصعيد الأمر لدى رواد الإنترنت.

مساهمة ستيف (GamersNexus)

كأول رد رسمي نراه حول القضية، رئيس ومؤسس The Verge واسمه Nilay Patel يرد عبر تويتر بطريقة إستعلائية حول القصة واعتبر أنه هو السبب في حلها لأنه من قام بسحب الشكوى، كما انه لا يعتبر ماحدث حق من حقوق الرأي بل أعتبر الأمر برمته مجرد مضايقة وتنمر من مجتمع الإنترنت وأتهم Kyle وبقية المفدونين بشن حملة ضده، وبدأ بوضع تغريدات لبعض الرواد لموقع تويتر على أنها تهدد حياته، بل أنه نشر مقالة في موقع مؤسسته يقول فيها أنه كان من السهل حل المشكلة لو أن Kyle تواصل معه بدلاً من نشر الأمر على الإنترنت.

متناسياً أن مؤسسته هي من تجاهلت Kyle وكانت تقدر على التواصل مع Kyle بدلاً من رفع دعوى قضائية ضده، والواقع أنه بالفعل حاول الكثيرين التواصل معه لكنه لم يتفاعل حتى تصاعد الأمر ووصل لنشر فيديوات من مفدونين آخرين رداً على الدعوى القضائية.

حينها تقدم له Steve Burke وهو أحد المفدونين (GamersNexus) بشكل مباشر على تويتر وأمام الجميع مقدماً له دعوة للجلوس معاً ونقاش القصة، بل وبادر حتى برغبته في دفع تكاليف السفر والسكن، فرد عليه Nialy بأنه قد قال مايريد قوله، وطلب منه أن: يذهب ليفعل شيئاً إيجابياً للعالم!

هنا قدم Steve تحدياً في فيديو جديد له، حيث طلب من جمهور الإنترنت أن يقوموا بالتبرع بالمال لأحدى المؤسسات الخيرية مع وسم SomthingPositive على تويتر مرفقاً بصورة تثبت التبرع وذِكر لمؤسس The Verge في نفس التغريدة حتى يعلم أننا نفعل شيئاً أيجابياً ولنرى إن كان يقدر على منافستنا فيما سنفعله.

أقترح Steve التبرع لمؤسسة خيرية تزرع الأشجار في الدول الفقيرة وتقوم بتشغيل سكان القرى المجاورة لهذه المزارع فهي تساهم في توفير عمل للفقراء وتساهم في تشجير الكوكب والتقليل من الإحتباس الحراري.

قام بالتبرع بما قيمته 1,270$ دولار أمريكي ووضع الدليل على حسابه في تويتر مشجعاً المتابعين للقيام بذات الفعل.

طبعاً ظل مؤسس The Verge وحتى تاريخ كتابة المقالة متعنتاً يرفض تقديم إعتذار حقيقي يقدمه لما بدر منه شخصياً من أخطاء متتالية وكذلك من مؤسسته وأستمر في إعتبار القصة كلها تنمر ضده وأن فريقه القانوني لم يخطيء وأنه هو تنازل بطولة وشهامة منه عن الشكوى!

ناهيك عن التناقض بين ما تكتبه مؤسسته من دعمها للحقوق ورفضها للدعاوى القضائية ضد المدونين، بينما تفعل ذلك بذاتها للآخرين، حيث أن Kyle لم يكن الوحيد الذي تلقى شكوى قضائية على ما يبدو من ذات المؤسسة، فكما يبدو أن هذه نقطة سوداء كبيرة في ملف المؤسسة لن يمحوه التاريخ.

حتى من المفدون Kyle قام بالمساهمة في حملة التبرع وقدم هبة سخية قيمتها الف دولار أمريكي ووضع الدليل!

إذاً، ماذا تعلمنا؟

  • أولاً، المجتمع يكون قوياً بتعاضده معاً، فكل من ساهم في هذه الحملة لم يتم المساس به بأي شكل من الأشكال لا مادياً ولا معنوياً ومع هذا شعر الجميع أنهم إن سمحوا لمثل هذه الأفعال أن تحدث فسيتحول الأمر إلى فوضى يأكل فيها القوي الضعيف.
  • ثانياً، أنك حين تخطيء عليك بكل ببساطة ان تعترف بخطأك وتنهي القصة في لحظتها وتعلن أنك ستضع ضوابط وشروط مستقبلية كي لا يتكرر الأمر مرة أخرى، وسيظل الجميع أصدقاء، فإن لك تفعل ذلك، فعليك ان تتذكر أننا نعيش عصر الإنترنت، والإنترنت لا ينسى!
  • ثالثاً، يمكنك في أي موقف وبكل حرية أن تحول أي شيء سلبي إلى شيئ إيجابي ليستفيد منه العالم بدلاً من الكراهية والسب والشتم، يمكنك بكل تحضّر أن تثبت وجهة نظرك وتتحدى الآخر بتقديم شيء وتفعل مايفيد الآخرين حتى وإن لم تكن لهم علاقة بمشكلتك، يمكنك تُحرج الآخر بكرمك وإيجابيتك.

بالنهاية

كما درسنا عبر التاريخ، الحقيقة ان سلاحنا في إتحادنا معاً، وهو سلاح الجماهير، حين نرى الضعيف يأكله القوي علينا أن نقف مع الضعيف مهما كلف الثمن وعلينا أن ننسى الأعراق والعلاقات والأديان ونتذكر اننا بالنهاية بشر وسننجو في هذا العالم بإتحادنا معاً.

علينا كمجتمع ليبي خصوصاً رفض الأمثلة الإنهزامية السلبية من نوع (أخطى راصي وقص) و(الله غالب) وأن نبدأ بالفعل بالدفاع عن حقوق غيرنا مهما إختلفت توجهاتنا ومعتقداتنا، فعلينا أن ننصر بعضنا البعض لنعيش في سلام.

هل لديك فكرة بالنهوض بمجتمع المدونين الليبيين؟ شاركني التعليق على هذه المقالة، أو أكتب فكرتك مع الوسم #سلاحناوحدتنا (بدون مسافة أو فواصل).

لاتنسى الإطّلاع على مقالتي “مجتمع المدونين الليبيين” الأولى ففيها قصة المفدون Austin Evans وما فعله مجتمع المدونين حول العالم له قبل خمس سنوات!

أكتب تعليق بإستخدام فيسبوك