الرئيسة » مدونة طرابلسي » هل المُدَوِّن صحفي، أم العكس؟

هل المُدَوِّن صحفي، أم العكس؟

بما أن الصحفي لايهتم بنقل خبر أو حدث فقط، وإنما يهتم أيضا بالتفسير والتعليق على الأحداث والتواصل مع جمهور قرائه، وهذا ما يفعله المدون على الإنترنت منذ سنوات، إذا هل يمكننا إعتبار كل من يدوّن تلقائياً صحفي؟

مقدمة

يقول معجم المعاني:
الصَّحَفِيُّ : مَنْ يَأْخُذُ العلْم من الصَّحِيفَةِ لا عن أستاذٍ.

و “صحفي” كلمة عربية قديمه. كانت بالسابق تقال لمن يجلب المعلومات من الكتب دون مُعلِّم.

وقد كان العرب عند المناقشات الأدبية يُعيبون على من ليس له شيخ أو مُعلِّم وينعتونه بكلمة صحفي.

فهل لتكون صحفي عليك أن تلتزم بالعمل في صحيفة خاصة أو عامة؟ أم أنك تقدر على أن تكون مستقلاً وتعمل لوحدك ثم تنعت نفسك بالصحفي؟

أوجه التشابه

بداية علينا أن نتفق أن كلا المجالين رسالتهما سامية، فالبشر كائنات تعتمد على اللغة والكلام للتواصل والتطور، ولايمكن إنكار وجود التدوين أو الصحافة مهما تدنّت مستوياتها أحياناً.

فالتدوين والصحافة يعتبران وسيلتان حرتان للتعبير، حتى وإن تم تكميمها في بعض المجتمعات، فبالأساس ظهرتا كوسائل للتعبير الحر.

الإثنان كذلك يعتبران مايسمى بالسلطة الرابعة في الدول التي تعتمد على الديمقراطية كنظام حكم فيها، أي تماما مرتبتهما بعد السلطات الثلاث: السلطة التشريعية، السلطة التنفيذية والسلطة القضائية.

الإثنان عليهما أن يكونا حران لإنتقاد أي شيء وكل شيء في الدولة من رأس الهرم إلى أسفله، دون قيود، فحين تقوم الدولة بفلترة الإثنين، تسقط عنهما صفة الحرية وصارتا مجرد بوق إعلامي.

الفروقات

لعل الفرق الأكبر بين التدوين والصحافة هو أنك في الأولى تكتب رأيك بكل حرية ودون قيود بينما الثانية فأنت تعمل براتب وعليك أن تتقيد بضوابط لتتمكن من تجاوز رئيس التحرير.

لا ننسى كذلك أن المدون لديه فقط الإنترنت لينشر ما يكتب، عكس الصحفي، الذي لديه المطبوعات والتلفزيون والراديو.

بمعنى آخر، الصحافة تعني ان تكون كتاباتك كلها موضوعية وتعتمد بشكل جامد على الحقائق فقط والناس قد تدفع المال لتقرأ لك، بينما التدوين هو أكثر شخصية لكن يمكن أن يكون موضوعي ويعتمد على الحقائق كذلك.

جمهور الصحفي عادة يكون جِدِّي، بينما جمهور المدون هو عادي لا يأخذ الكاتب على محمل الجد مقارنة بالصحفي، وليس لتدوينات المدون تأثير بضخامة تحقيق صحفي.

فالصحفي يخرج للعالم ليقوم بالتحقيقات ويكتب نتيجتها على هيئة قصة، يأتي بالصور، ويكون شاهد عيان، بينما المدون عادة لا يتحمل مشقة ما يكتبه بنفس مستوى الخطورة والجدية التي يعانيها الصحفي، بل أن مجهوداته قد تكون مبنية على مقالات لآخرين.

صحيح أن الصحافة إجمالاً لم تعد موضوعية فتحولت لبوق منظمة أو جهة ما، لكن إن أردنا تصنيفها حسب القاموس والأساس الذي بُنيت عليه، فيجب الحديث عنها هنا على انها يجب ان تكون موضوعية.

هناك ايضا فئة تعتبر الصحافة التي تُكتب لقاء المال ليست بصحافة، أي أن العمل في صحيفة يسقط عنك صفة الصحافي تلقائياً، ولهذا تعتبر التدوين هو الصحافة الحقيقية، لأنها في زمننا هذا صارت مشوهة.

مواضيع الصحافي عليها أن تتسم بطابع التحقيق والأصالة، فالمدون يمكن أن تكون مقالاته حقيقية وأصيلة، لكن أيضاً من الممكن أن تكون مجرد إشاعة غير حقيقية.

من الممكن جداً ان تكون التدوينات منسوخة من مؤسسات صحفية أخرى مع رأي خاص أو وجهة نظر جديدة لم يتم طرحها في وسائل الإعلام الأخرى.

المصداقية هي خط فاصل هنا بين التدوين والصحافة، وهنا يمكن لمن يمتهن الصحافة أن يُنعت بالمُدوِّن، والعكس صحيح في حالات قليلة.

الخلاصة

لا أحاول التقليل من أهمية التدوين والمدون، لكن حتى لا يختلط الحابل بالنابل، بإختصار يمكننا الجزم أن الصحفي يمكنه أن يكون مُدوِّناً بينما ليس كل مدون صحفي.

التدوين قد يكون مدخل للصحافة، ومكان مهم للتعلم إن أردت إمتهان الصحافة، ولا يمكننا بأي حال من الاحوال انكار وجود مدونين قدموا تحقيقات تضاهي في دقتها وموضوعيتها ما يتم نشره في أشهر وسائل الإعلام لكن هؤلاء للأسف قلة.

اعتقد لا يمكن للمدون تلقائياً التحول إلى صحفي لمجرد الكتابة والتحصل على متابعين كُثُر.

فالصحافة هي تقديم حقائق مقرونة بمعانيها، فالقارئ لايمكنه تفسير كل الحقائق بشكل صحيح، وهنا يأتي دور المدون بتحقيقاته الصحافية المقرونة برأيه وتفسيره لأحداثها.

ربما هذا كل ما تحتاج لتعرف الفرق بين التدوين والصحافة، فإن طبقت ما فهمته من هذه المقالة حولك، سترى الأشياء بشكل جديد.

لا انسى اني قمت بطرح إستفتاء بسيط على أصدقائي في الفيسبوك، فكانت نتيجة التصويت (حتى تاريخ كتابة هذه المقالة) لصالح عدم إعتبار المدون صحفي بشكل تلقائي، ويمكنك الإطلاع على النتيجة النهائية من هنا:

أكتب تعليق بإستخدام فيسبوك