أهمية قطاع الإتصالات

أن الاتصالات وتقنية المعلومات توفر وسائل مهمة لتحسين الاقتصاد والدخل من جهة، وتطوير أوضاع الفرد والمجتمع من جهة أخرى. ففي إطار الاقتصاد والدخل، يؤدي استخدام الاتصالات وتقنية المعلومات بكفاءة إلى زيادة إنتاجية مختلف القطاعات كمّاً ونوعاً، بما في ذلك القطاعات الإنتاجية والخدمية. كما أن صناعة الاتصالات وتقنية المعلومات تقدم مصدراً جديداً للدخل على مستوى الفرد والمجتمع، خصوصاً مع تنامي الحاجة إلى الاتصالات وتقنية المعلومات في شتى أنحاء العالم.

وفي إطار أوضاع الفرد والمجتمع، تسهم خدمات الاتصالات وتقنية المعلومات بقوة في جعل حياة الإنسان أكثر رفاهية من حيث توفير الجهد والوقت، وتقليل النفقات على المدى المتوسط والبعيد، كما أنها تُتيح نشر اللغات والثقافات، وإيجاد موقع حضاري للمجتمع على المستوى الوطني وعلى المستوى العالمي، بشكل أكثر فاعلية. يضاف إلى ذلك أن استخدام الاتصالات وتقنية المعلومات وإنتاجها يفتح آفاقاً واسعة لفرص وظيفية جديدة لأبناء المجتمع، وتسهم في تقليل الهجرة إلى المدن، وتنمي العمل عن بُعد، إضافة إلى توفير فرص وظيفية جديدة مناسبة لعمل المرأة.

نتيجة للتعتيم الإعلامي الذي مارسه نظام المقبور على الليبيين، صرنا في فترة ما من حياتنا، لا نعرف عن العالم الخارجي إلا ماتقدمه لنا نشرة أخبار قنواته الجماهيرية، نعم لن ننسى أنه في فترة من فترات تاريخ ليبيا كان على المواطن أن يتحصل على تصريح أمني للحصول على حاسوب (الفاتح) وتصريح أمني للحصول على طابعة، وتصريح أمني للحصول على صحن إستقبال (Satellite) لنتفرج على قنوات العالم.

دخول شبكات الهاتف النقال لليبيا سنة 1996 بشبكة المدار وثمنها الغير معقول وإحتكارها للخدمة مما حول المجتمع الليبي إلى ثلاث طبقات، طبقة عندها هاتف نقال وطبقة تحلم بإمتلاك الهاتف النقال وأخرى تسمع عنه وتراه ولاتجروء حتى في الحلم بإمتلاكه!

إنشئت شبكة هاتف ليبيانا تحت نفس الإدارة ونفس العقلية، لكن هذه المرة بتغطيئة سيئة جداً وأسعار رخيصة مقارنة بشبكة المدار، فصار الليبيين قادرين على إمتلاك هاتف نقال، لكن بدون مزايا أسوة ببقية جيرانهم كمصر وتونس وغيرها.

هاتين الشبكتين، ليبيانا والمدار، إدارتهما كانتا واحدة ومنطقهما الأمني واحد، وكان الشعب الليبي تحت تحكم وسيطرة بضعة أشخاص يسيرون حياتهم، وكان الشعب الليبي راضٍ بما قسمه المردوم وحاشيته من رزق له، ولأن الشعب الليبي ظل طيلة سنوات يرى الآخر على أنه الأذكى والأقوى والأفضل، وأنه لاتجوز أن تتم مقارنتنا بالإمارات العربية المتحدة على سبيل المثال، وظل الليبي يعيش الإنهزامية في كل مكان حتى خرج ورأى وسمع عن بقية كوكب الأرض.

حتى من الإنترنت كانت منذ بداية دخولها لليبيا في 1997 تحت تحكم الحكومة وأجهزة أمن المردوم، وحتى الآن لاتزال تحت المراقبة ومحتكرة من قبل الشركة الوحيدة (شركة ليبيا للإتصالات) ولازال نفس المنطق يسيرها، نعم لم يعد هناك إعتقالات بسبب الرأي – على حد علمنا – لكن الإنترنت اليوم في ليبيا سيداتي وسادتي، ليست بعد حرة.

في حين إن قطاع الإتصالات الذي يعتبره بعض الليبيين مركزاً للتسلية وتمضية الوقت وقضاء الحوائج البسيطة، وهي طبعاً حرية من حريات المواطن لايمكننا أن نرفضها ونلغيها أو نهمشها، لكننا نتحدث في هذه المقالة خصوصاً حول قطاع الإتصالات من ناحية إنتاجية على مستوى الدولة، فقد أدركت معظم دول العالم أهمية الاتصالات وتقنية المعلومات في تطوير حياة الفرد والمجتمع، وفي تحسين اقتصاد الدولة ودخل الفرد. لذا فقد ازداد استخدام الاتصالات وتقنية المعلومات في العالم بشكل مطرد في العقد الأخير من القرن الميلادي الماضي، الأمر الذي أسهم في تحقيق مكاسب هائلة للدول والشركات التي استثمرت في إنتاج هذه التقنية واستخدامها، إذ أدى هذا الاهتمام الفائق بالاتصالات وتقنية المعلومات في هذه الدول إلى تحول مجتمعاتها إلى مجتمعات معلوماتية، تتميز باعتمادها على قوة المعلومات والمعرفة، أكثر من اعتمادها على عناصر الثروة الأخرى، كما نما لديها الاقتصاد المبني على الاتصالات وتقنية المعلومات.

ومن المؤشرات الدالة على إدراك هذه الدول لأهمية الاتصالات وتقنية المعلومات وسعيها نحو إنتاجها واستخدامها، بلوغ حجم القطاع العالمي للاتصالات وتقنية المعلومات إلى أكثر من 2.6 ترليون دولار في عام 2004م

حجم قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات في العالم من عام 1993م حتى 2004م. المصدر: WITSA , IDC

ويمثل حجم القطاع العالمي في عام 2004م 6.75% تقريباً من الناتج العالمي الإجمالي. وتعتبر هذه المساهمة كبيرة نسبياً. ويبلغ حجم هذا القطاع في منطقة الشرق الأوسط أقل من 2% من القطاع العالمي، أي ما يقارب 50 بليون دولار.

ويوضح التالي نسبه الصرف على قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات إلى الناتج المحلي الإجمالي؛ حيث تصل هذه النسبة إلى 7.5% في نيوزلندا، و7.2% في الصين، و6.8% في كوريا.

نسبة الصرف على قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2004م. المصدر: OECD ,Gartner 2004

وتسهم مكونات الاتصالات وتقنية المعلومات عالمياً بإسهامات مختلفة، حيث بلغ حجم صناعة البرمجيات في عام 2003م ما يقارب 260 مليار دولار بنسبة 10% من حجم القطاع العالمي، وصناعة أجهزة تقنية المعلومات نحو 468 مليار دولار بنسبة 18%، وبلغ حجم الخدمات المعلوماتية نحو 494 مليار دولار بنسبة 19%، أما حجم الاتصالات فقد بلغ 1.378 مليار دولار بنسبة 53%.

نسبة مساهمة مكونات قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات العالمي لعام 2003م. المصدر: OECD ,Gartner 2004

وقد استطاعت الدول التي اهتمت بصناعات الاتصالات وتقنية المعلومات، أن تدعم دخلها القومي. إذ بلغ دخل صناعة الاتصالات وتقنية المعلومات في أستراليا عام 2001م حوالي 7.6% من دخلها القومي . وفي العام نفسه بلغ هذا الدخل في كوريا الجنوبية حوالي 12% ، وفي أيرلندا حوالي 16% . كما أسهمت الاتصالات وتقنية المعلومات في تخفيض معدلات البطالة، ففي أيرلندا انخفضت نسبة البطالة من 17% عام 1988م إلى 4% عام 2001م. ونجحت الهند –أيضاً- في صناعة البرمجيات، ومن المتوقع أن تصل صادراتها من هذه الصناعة عام 2008م إلى حوالي 80 بليون دولار.

قد يبدو للوهلة الأولى أن توفير الزمن والتنقل وتحسين الإنتاجية والكفاءة – وهو ما توفره الاتصالات وتقنية المعلومات – يحد من الحاجة إلى الايدي العاملة، وبالتالي يؤثر سلباً على المجتمع ويزيد من البطالة، لكن الحقيقة تشير إلى غير ذلك. فكما قللت الثورة الصناعية الحاجة إلى الأيدي العاملة في الزراعة، فإنها زادتها في الحقول الصناعية التي أوجدتها، كذلك تأخذ ثورة الاتصالات وتقنية المعلومات المنحى نفسه، إذ تقلل الحاجة إلى بعض المهن، لكنها تفتح آفاقاً جديدة للعمالة في مجالات أخرى وفي وظائف نوعية محترمة ذات مردود أعلى على الاقتصاد ودخلٍ أكبر للموظف.

فالاتصالات وتقنية المعلومات موجودة في معظم الحقول لتقديم خدماتها الخاصة فيها. فهي تحتاج في جميع أماكن وجودها إلى عمالة متخصصة في الاتصالات وتقنية المعلومات، مما يفتح آفاقاً جديدة للعمالة لم تكن موجودة من قبل. ومن مؤشرات ذلك أن التوظيف في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات في بعض الدول وصل إلى أكثر من 4% من إجمالي القوى العاملة في عام 2003م، كما هو الحال في كل من السويد، وفنلندا، وكندا.

نسبة التوظيف في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات في بعض الدول لعام 2003م. المصدر: OECD, 2004

أما تأثير الاتصالات وتقنية المعلومات في الإنتاجية والناتج المحلي الإجمالي، فإن ذلك واضح وكبير. ففي الولايات المتحدة الأمريكية بلغ متوسط نسبة النمو السنوية في الاقتصاد الأمريكي حوالي 1.5% خلال الأعوام من 1974م إلى 1995م. ولكن لوحظ خلال الفترة من عام 1995م إلى عام 2000م أن متوسط نسبة النمو السنوية قد زاد إلى 2.5%. وتعود هذه الزيادة في نسبة النمو السنوية إلى زيادة الإنتاجية في مختلف القطاعات المنتجة في المجتمع. وقد بيّنت الدراسات أن تأثير الاتصالات وتقنية المعلومات على الإنتاجية كانت تقدر بين 50% إلى 74% من هذه الزيادة.

أما في أستراليا فقد أسهمت الاتصالات وتقنية المعلومات في كل القطاعات الاقتصادية في زيادة الإنتاجية بأكثر من 25%، مما أدى إلى زيادة معدل نمو إجمالي الناتج المحلي بأكثر من 0.41% في عام 2002م . إن زيادة الإنتاجية ذات آثار إيجابية وحيوية على الأعمال الحكومية، والتجارية، والصناعية، والتعليمية، والطبية، مما يعني أثراً اقتصادياً ينعكس إيجاباً على النمو والتنمية المستدامة.

أكتب تعليق بإستخدام فيسبوك