كان في جيبي دعوة.
حدث تقني، أسماء معروفة، وجوه أشتاق لرؤيتها.
وكعادتي في الأشهر الأخيرة، فتحت التطبيق، نظرت في الموعد، وأغلقته.
لا لأنني لا أريد، بل لأن 4 كيلومترات في طرابلس 2026 ليست 4 كيلومترات، بل هي خرائط جوجل، وبحث عن موقف سيارة، ومقاومة ألم الانزلاق الغضروفي الذي يتذكرني كلما جلست طويلاً، وحسابات دقيقة بين الوقت الذي سأقضيه واقفاً وبين الثمن الذي سيدفعه ظهري لاحقاً.
أضف إلى ذلك العائلة، والعمل، والطاقة التي لا تكفي دائماً لكل ما يستحق.

الخوف الذي لا يُقال
هناك شيء لا يتحدث عنه من يغيب كثيراً.
ليس الغياب نفسه، بل ما يبنيه الغياب تدريجياً في ذهن الآخرين.
من يُدعى مرة فلا يأتي، يُدعى مرة أخرى، ومن يُدعى ثلاث مرات ولا يظهر.. يصبح ذلك الشخص الذي “من المحتمل أنه لن يأتي”.. وفي يوم ما، يتوقف الناس عن المحاولة، ليس عقاباً، بل ببساطة لأن الحياة تسير، والدوائر الاجتماعية تُعيد رسم نفسها باستمرار حول من يظهر.
هذا ليس شكوى، هذه حقيقة تشغل ذهني.
السؤال الآخر الذي لا أجرؤ دائماً على طرحه
حتى في اللحظات التي أستطيع فيها الذهاب، يداهمني سؤال لا أعرف إن كان شجاعة أو كسلاً:
ماذا سأضيف؟ وماذا سيضيفني؟
هناك من يذهب ليضخّم سيرته المهنية بصورة مع متحدث، وهناك من يذهب لمقابلة شخص بعينه، ولكل منا غرضه، وهذا حقه.
لكنني لاحظت شيئاً، كثير من هذه الأحداث تجمع 500 أو 1000 شخص في قاعة، يتصافحون، يتبادلون بطاقات، يستمعون لعرض، ثم يتفرقون، وبعد أسبوع؟ لا أثر. لا مجتمع. لا امتداد.
منظمو الأحداث يقيسون النجاح بعدد الحضور الجسدي، لا بما بقي بعد انتهاء الحدث.

الحدث الذي أحلم به
الحدث الحقيقي في نظري ليس ذلك الذي يجمع ألف شخص في غرفة، بل ذلك الذي يصنع 100 علاقة تستمر بعد الغرفة.
وهذا لا يحدث بصفحة فيسبوك تُنشأ قبل الحدث بأسبوع وتموت بعده بشهر.
ما أتخيله:
- حضور 50/50 بين الأرض والإنترنت، لا كضيف ثانوي بل كشريك حقيقي في الحدث.
- بث حي حقيقي مع تفاعل مدروس، لا مجرد كاميرا في زاوية.
- منتديات رقمية حقيقية قبل الحدث وبعده، تحوّل “من حضر” إلى “من ينتمي”.
- تصميم الحدث الأرضي أصلاً ليكون للتواصل الإنساني العميق، لا للمحتوى الذي يمكن مشاهدته على يوتيوب.
الحدث الأرضي يجب أن يصنع ما لا يستطيع الإنترنت صنعه: نظرة، ثقة، لحظة إنسانية.
أما كل ما يمكن نقله رقمياً فلماذا نحرم منه من لا يستطيع الحضور؟
ما اخترته.. وما فُرض عليّ
أقول أنني “اخترت” التواصل عبر المسنجر وتلغرام، لكنني صادق مع نفسي: هل هو اختيار حقيقي؟ أم أنني برّرت القيود حتى بدت اختيارات؟
الفرق مهم.
من يختار يشعر بالرضا، من يُضطر ويبرر يشعر بشيء آخر، شيء يشبه ما كتبته في أول هذه السطور.
طرابلس لم تعد مثل ما كانت قبل 15 سنة، وجسدي لم يعد مثل ما كان قبل 10، وهذا ليس مأساة، لكنه حقيقة تستحق أن تُقال بصوت عالٍ.

سؤال للقارئ
إن كنت تنظّم حدثاً، أسألك سؤالاً واحداً: بعد شهر من انتهاء حدثك، هل سيتذكر أحد لقي أحداً فيه؟
وإن كنت مثلي، من يجد صعوبة في الحضور الجسدي دائماً: هل شعرت يوماً أنك تختفي ببطء من دوائر الناس لا لأنك تريد، بل لأن الظروف أقوى؟
اكتب لي! هذا بالضبط ما أريد أن أقرأه.

