تخطى إلى المحتوى
الرئيسة » المدونة » التقاطعات القانونية والتقنية في الحوادث السيبرانية المؤسسية

التقاطعات القانونية والتقنية في الحوادث السيبرانية المؤسسية

دراسة تحليلية في ضوء قانون الإجراءات الجنائية والتشريعات الليبية

مقدمة إشكالية:

تشهد المؤسسات المالية والمصرفية حول العالم موجات متزايدة من الهجمات السيبرانية المعقدة، والتي لم تعد تُصنف كحوادث معزولة بل كعنصر قائم في بيئة إدارة المخاطر الرقمية (Cyber Risk Management).

غير أن التعاطي القانوني والقضائي المحلي مع هذه الحوادث يطرح إشكالية جوهرية عندما يُصار إلى تحويل “الحادث التقني التشغيلي” بشكل فوري إلى “قضية جنائية” يترتب عليها احتجاز الكوادر التنفيذية لمدد طويلة.

تتناول هذه المقالة قضية احتجاز مسؤولي تقنية المعلومات وأمن المعلومات بمصرف ليبيا المركزي على خلفية الخرق الأمني الأخير في شهر يونيو 2026، من منظور فني أكاديمي وقانوني استدلالي يهدف إلى تفكيك إشكالية المساءلة، والتمييز بين القصور الإداري والمسؤولية الجنائية.

أولاً: الحبس الاحتياطي في الجرائم الرقمية بين النص القانوني والواقع التقني

يُشكل الحبس الاحتياطي إحدى أكثر المسائل حساسية في مرحلة التحقيق الابتدائي، حيث أسس المشرع الليبي الحبس الاحتياطي كإجراء تدبيري استثنائي وليس عقوبة في حد ذاته.

كما جاء في المادة (115 / الفقرة الأولى) من قانون الإجراءات الجنائية الليبي:

“يجوز لقاضي التحقيق بعد استجواب المتهم أو في حالة هربه إذا كانت الواقعة جناية أو جنحة معاقباً عليها بالحبس مدة يزيد أقصاها على ثلاثة أشهر، وكانت الدلائل كافية، أن يصدر أمراً بحبس المتهم احتياطياً…”

التحليل والأثر القانوني-التقني:

تستند العلة القانونية من الحبس الاحتياطي إلى منع المتهم من العبث بالأدلة أو التأثير على مجريات التحقيق أو الخشية من فراره، أما في الحوادث السيبرانية، فإن الأدلة الرقمية (Digital Evidence) وسجلات الأحداث (Audit Logs) والنسخ الاحتياطية تُجمّد وتُسحب فور وقوع الحادث وتُحفظ في بيئات رقمية آمنة لا يمكن للموظف الوصول إليها بمجرد إيقافه عن العمل أو التحفظ على الأجهزة.

وبناءً عليه، فإن استمرار حبس مهندسي التقنية لأكثر من شهر على ذمة التحقيق يتنافى مع الغاية الإجرائية للحظر، لا سيما مع توافر ضمانات الإقامة الدائمة، وتوافقاً مع نص المادة (177) من قانون الإجراءات الجنائية التي حثت على مراعاة انقضاء مدد الحبس الاحتياطي والإفراج ما لم توجد مبررات استثنائية تقييمية تُعرض على الهيئات القضائية المختصة.

ثانياً: ندب الخبرة الفنية المتخصصة وإلزامية الأطر الزمنية

نظراً للطبيعة المعقدة للاختراقات السيبرانية، فإن القضاء والنيابة العامة لا يمتلكان الأدوات الرقمية المباشرة لفك شفرات سلاسل الهجوم (Attack Chains)، مما يتطلب الحسم عبر بيوت الخبرة الرقمية (Digital Forensics).

كما جاء في المادة (69) من قانون الإجراءات الجنائية الليبي:

“إذا استلزم إثبات الحالة الاستعانة بطبيب أو غيره من الخبراء، يجب على قاضي التحقيق الحضور وقت العمل وملاحظته… ويجوز في جميع الأحوال أن يؤدي الخبير مأموريته بغير حضور الخصوم.”

وما أكدته المادة (71) من ذات القانون:

“يحدد المحقق ميعاداً للخبير ليقدم تقريره فيه، وله أن يستبدل به خبيراً آخر إذا لم يقدم التقرير في الميعاد المحدد.”

التحليل والأثر القانوني-التقني:

يُظهر النص القانوني بوضوح أن المشرع اشترط تحديد ميعاد زمني صارم للخبراء لتقديم تقاريرهم.وفي المعايير الدولية للاستجابة للحوادث السيبرانية، تُسند هذه المهام لشركات استشارية متخصصة في الجنائيات الرقمية (Digital Forensics and Incident Response – DFIR)، والتي تستطيع في ظرف أيام معدودة تحليل المتجهات (Vectors) وبيان ما إذا كان الخرق ناتجاً عن ثغرة صفرية (Zero-Day)، أم خطأ في التهيئة، أم قصور في التحديثات، أم تواطؤ خارجي.

وبناءً عليه، فإن بقاء القضية معلقة لمدة شهر (حتى تاريخ هذه المقالة) دون صدور تقرير فني حاسم لا يرجع إلى تعقد الحادثة بذاتها بقدر ما يعود إلى آليات الندب والاستعانة بالخبرة التقنية وتأخر إقحام بيوت الخبرة المتخصصة.

ثالثاً: التبعية الإدارية وسلطة الاعتماد في حوكمة القطاع العام

غالباً ما يتم تحميل المسؤولية المباشرة لمديري الإدارات التنفيذية دون النظر إلى هيكلية اتخاذ القرار والاعتمادات المالية داخل المؤسسة العامة.

كما تقرر في القواعد العامة للمسؤولية الإدارية والوظيفية الصادرة بموجب القانون رقم (12) لسنة 2010 بشأن علاقات العمل:

“التزام الموظف العام بأداء أعماله بدقة وأمانة يتم في حدود السلطات والصلاحيات المخولة له وفقاً للتسلسل الرئاسي، ولا يتحمل الموظف نتائج عدم توافر الإمكانيات أو الميزانيات المطلوبة لتنفيذ خطط الوقاية والسلامة ما لم تثبت المخالفة العمدية لتوافق السياسات المعتمدة.”

التحليل والأثر القانوني-التقني:

في الممارسة العملية داخل المؤسسات والمصارف المركزية، ينحصر دور مدير إدارة تقنية المعلومات أو مسؤول أمن المعلومات في رفع التوصيات الفنية، واقتراح سياسات الحماية، وطلب ميزانيات الشراء والتدريب، أما القرار النهائي وتوفير التدفقات المالية وتوقيع العقود الأمنية فتقع حصرياً ضمن صلاحيات الإدارة العليا (المحافظ أو مجلس الإدارة).

وبناءً عليه، فإن مساءلة الإدارة التنفيذية تقنياً وجنائياً عن وجود “قصور في نظام الحماية” تتطلب أولاً فحص كواليس الإدارة: هل تقدم المهندسون بطلبات لتطوير المنظومات ورُفضت أو عُطلت ميزانياتها؟ أم أنهم تصرفوا دون سياسات واضحة؟ إن تجريد المسؤولية الفنية عن سياقها الإداري الرئاسي يخلق خللاً في مبدأ العدالة المؤسسية.

رابعاً: التكييف الجنائي للجرائم الإلكترونية بموجب القانون رقم (5) لسنة 2022

عند النظر في الجرائم الإلكترونية، يفرق الفقه القانوني والتشريع الليبي بين “الفاعل المباشر للهجوم” وبين “المسؤول عن حماية النظام”.

كما جاء في أحكام القانون رقم (5) لسنة 2022 بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية (المادة 4 والمواد العقابية ذات الصلة):

“يشترط لقيام الجريمة الإلكترونية ارتكاب فعل غير مشروع يستهدف اختراق أو تعطيل أو تغيير بيانات المنظومات الرقمية عن عمد وقصد جنائي صريح…”

التحليل والأثر القانوني-التقني:

النص القانوني يتطلب لقيام الجريمة الجنائية توافر الركن المعنوي (القصد الجنائي) والركن المادي (فعل الاختراق أو التسهيل العمدي)، أما وقوع خرق أمني جراء هجوم سيبراني معقد استغل حسابات أو ثغرات رقمية، فهو في أصله حادث أمني تشغيلي يندرج تحت باب “إدارة المخاطر” وليس “الجريمة الجنائية العمدية”، ما لم يثبت بالدليل الرقمي القاطع وجود تواطؤ مع المهاجمين.

خامساً: الانعكاسات على الكوادر الوطنية ومستقبل التحول الرقمي

إن خطورة التعاطي القضائي الحالي لا تقتصر على الأفراد المعنيين بالحادثة، بل تمتد لتشكل خطراً هيكلياً على البيئة التقنية الوطنية في ليبيا:

  1. سياسة البحث عن “كبش فداء”: تحويل الكوادر التقنية إلى خط الدفاع الأول الذي يتحمل الجرير الجنائية عند كل خرق أمني سيؤدي إلى ظاهرة عزوف المبتكرين والكفاءات عن قبول أي مناصب قيادية في أمن المعلومات بالقطاع العام.
  2. المقارنة غير المتكافئة: يلمس الشارع التقني تناقضاً بين إفلات المتورطين في قضايا الفساد المالي والإداري المباشر، وبين السجن الفوري لمهندسين قدموا حلولاً رقمية ملموسة كشفت عن تجاوزات مالية ضخمة (مثل منظومة المرتبات الوطنية).

التوصيات والخاتمة:

بناءً على التفكيك القانوني والتقني السابق، أخلص إلى التوصيات التالية:

  1. تفعيل البدائل القانونية للحبس الاحتياطي وذلك بإعمال أحكام المادتين (115) و(177) من قانون الإجراءات الجنائية بالإفراج عن المهندسين المحتجزين بضمان محل إقامتهم، لعدم وجود خطر على الأدلة الرقمية التي تم التحفظ عليها بالفعل.
  2. الإسراع في ندب بيوت خبرة سيبرانية وتطبيق المادتين (69) و(71) بإحالة الملف التقني إلى بيوت خبرة استشارية محايدة لإصدار تقرير الجنائيات الرقمية (DFIR) في مدى زمني محدد.
  3. الفصل بين المسؤولية الإدارية والجنائية، وعدم إقحام القانون الجنائي في الحوادث التشغيلية إلا في حالة ثبوت القصد الجنائي والتواطؤ العمدي، مع مراجعة سلاسل الاعتماد المالي والإداري لدى الإدارة العليا للمؤسسة.

إن بناء دولة المؤسسات والرقمنة الوطنية لا يتم بعقوبة القائمين على التقنية عند تعثر المنظومات، بل بالاستثمار في البنية التحتية، وتوفير الميزانيات الحاكمة، وإرساء قواعد حوكمة تقنية وقانونية عادلة.

المراجع والتشريعات المعتمدة (وفق المجمع القانوني الليبي):

  • قانون الإجراءات الجنائية الليبي وتعديلاته (المواد: 69، 71، 115، 177).
  • القانون رقم (12) لسنة 2010 بشأن علاقات العمل ولائحته التنفيذية.
  • القانون رقم (5) لسنة 2022 بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية.
  • قانون المصارف الليبي رقم (1) لسنة 2005 وتعديلاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *