يُطالبوننا بجلد حراك “فبراير” صباح مساء، ويُحمّلون الذكرى مسؤلية كل قطرة ماء شحيحة أو انقطاع للكهرباء، بينما يكفي أن تكشط طلاء أي مؤسسة نافذة اليوم، لتجد تحتها مباشرة ختماً قديماً وتدريباً ممتداً في كواليس “النظام السابق”.
المحصّلة الحالية ليست انحرافاً طارئاً عن الماضي، بل هي النتيجة الحتمية والتطوير الطبيعي لـ 42 عاماً من تجريف مفهوم “الدولة”.
وجوه المشهد اليوم.. تلامذة المدرسة الإدارية ذاتها
إذا كان الواقع الراهن مريراً ومفككاً، فمن هم صُنّاعه الحقيقيون الذين يتصدرون المشهد السياسي والاقتصادي؟
- على رأس السلطة التشريعية والتنفيذية: ابحث في السير الذاتية لأغلب القيادات الحالية، ستجد أنهم لم يخرجوا من رحم الاعتصامات أو الفكر التغييري، بل تدرجوا لعقود في السلك القضائي والإداري والقيادي للنظام السابق، وشغلوا مناصب رفيعة في أجهزته التنفيذية وتخطيطه العمراني والمؤسسي.
- إدارة القطاعات الخدمية والسيادية: معظم المدراء والمسؤولين الذين أداروا ويُديرون قطاعات كبرى كـ (الكهرباء، والنفط، والصناديق الاستثمارية) هم أبناء الكادر الإداري القديم، الذي تدرب على ثقافة الترقيع التنموي ومركزية القرار وغياب الشفافية.
تركة 42 عاماً: كيف صُنِعت أزمتنا الراهنة؟
المصائب التي نكتوي بنارها اليوم ليست وليدة السنوات الأخيرة، بل هي امتداد لسياسات صُممت بعناية على مدار أربعة عقود:
- تفكيك مفهوم المؤسسة: النظام السابق هو من ألغى الدستور، واستبدل المؤسسات الأمنية والعسكرية التخصصية بالتكتلات والمجالس غير النظامية، وهدم المجتمع المدني والنقابات الحرة، لترك البلاد بلا هيكل إداري صلب قادر على الصمود عند أول أزمة.
- الفساد الممنهج والاقتصاد الريعي: شراء الولاءات بالمال العام، وتوزيع المقدرات بناءً على القرب من مركز السلطة لا على “الكفاءة والأمانة”، كان هو العرف السائد، وما نراه اليوم هو مجرد امتداد وتطوير لنفس الممارسة.
- التطاول على الثوابت والرموز: الذين يتباكون على “الأمجاد الماضية” ينسون عن عمد كيف تم التطاول على السيرة النبوية، والتشكيك في السنة الشريفة، ومحاولة إلغاء المذاهب الفقهية، وفرض تقويم هجري جديد، ومخاطبة النبي ﷺ بأسلوب يفتقر ل أدنى درجات التوقير والإجلال في الخطابات الرسمية المتلفزة.
إن إتلاف الذاكرة والترويج بأن كل مصائبنا بدأت بعد عام 2011 هو هروب طفولي من الواقع. الكارثة ليست في محاولة البحث عن الحرية والبناء، بل في أن مفاتيح الإدارة والتأثير لا تزال بأيدي نفس العقليات الكهولية التي ساهمت في حفر هذا النفق.
بدلاً من التباكي على أصنام الماضي ورموزه، التفتوا إلى دولة تُهدر أوقاتها ومواردها بنفس الأدوات القديمة ذاتها.

