ماذا كشفت وثائق Facebook Files؟
في عام 2021 تسربت آلاف الوثائق الداخلية الخاصة بشركة فيسبوك، والتي أصبحت معروفة عالمياً باسم “Facebook Files”. لم تكن هذه الوثائق مجرد تسريب تقني أو خلاف إداري داخلي، بل فتحت نافذة نادرة على ما كان يدور داخل واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم.
أهمية هذه الوثائق لا تكمن فقط في حجمها، بل في أنها تضمنت دراسات وأبحاثاً داخلية أجرتها الشركة بنفسها حول تأثير منصاتها على المستخدمين والمجتمعات.
التأثير على المراهقين
من أكثر ما أثار الجدل في الوثائق نتائج بعض الدراسات الداخلية المتعلقة بالمراهقين، وخاصة الفتيات. فقد أشارت تقارير داخلية إلى أن استخدام منصة إنستغرام يمكن أن يؤدي لدى بعض المستخدمين إلى تفاقم مشكلات تتعلق بالصورة الذاتية والثقة بالنفس والصحة النفسية.
الأمر اللافت أن هذه النتائج لم تأتِ من جهات خارجية تنتقد الشركة، بل من فرق بحثية تعمل داخلها.
بالطبع لا يعني ذلك أن جميع المستخدمين يتأثرون بالطريقة نفسها، لكن الوثائق أظهرت أن الشركة كانت على علم بوجود آثار سلبية محتملة لدى شريحة من المستخدمين الأكثر هشاشة وتأثراً.
خوارزميات تكافئ الغضب والانقسام
كشفت الوثائق أيضاً عن نقاشات داخلية حول كيفية عمل خوارزميات التوصية والترتيب.
تعتمد منصات التواصل الاجتماعي على إبقاء المستخدم لأطول فترة ممكنة داخل التطبيق. ولتحقيق ذلك تُعطى الأولوية غالباً للمحتوى الذي يثير تفاعلاً أكبر. المشكلة أن المحتوى الذي يثير الغضب أو الجدل أو الاستقطاب السياسي غالباً ما يحقق معدلات تفاعل أعلى من المحتوى الهادئ أو المتوازن.
بحسب ما ورد في الوثائق، كان هناك إدراك داخل الشركة بأن بعض آليات التوصية قد تساهم في تضخيم الانقسامات الاجتماعية والسياسية ونشر المعلومات المضللة أو المثيرة للجدل.
الأرباح أم المصلحة العامة؟
النقطة الأكثر إثارة للجدل كانت الاتهام المتكرر بأن الشركة لم تتعامل بالسرعة الكافية مع بعض هذه المشكلات عندما كانت الحلول المقترحة قد تؤثر سلباً على النمو أو الإيرادات أو معدلات التفاعل.
وقد لخصت المبلغة السابقة فرانسيس هاوغن القضية بعبارة أصبحت شهيرة عندما قالت إن الشركة كانت “تختار الأرباح على حساب الأشخاص”.
في المقابل، رفضت شركة ميتا كثيراً من هذه الاتهامات، وأكدت أن الوثائق أُخرجت أحياناً من سياقها وأنها تستثمر مليارات الدولارات في مجالات السلامة والأمن الرقمي ومكافحة المحتوى الضار.
ما الذي يمكن أن نتعلمه من هذه القضية؟
ربما لا يتعلق الدرس بفيسبوك وحده، بل بالنموذج الاقتصادي الذي تقوم عليه معظم المنصات الرقمية الحديثة.
فعندما يصبح انتباه المستخدم هو المنتج الحقيقي، وعندما ترتبط الإيرادات مباشرة بمدة البقاء داخل التطبيق ومعدلات التفاعل، تظهر دائماً إغراءات تدفع الشركات نحو تعظيم المشاركة حتى لو ترتب على ذلك آثار جانبية غير مرغوبة.
ولهذا فإن النقاش لم يعد يدور حول شركة واحدة، بل حول سؤال أكبر:
كيف يمكن تحقيق التوازن بين حرية المنصات في إدارة أعمالها وبين مسؤوليتها تجاه الصحة النفسية للمستخدمين وتماسك المجتمعات؟
إن قضية Facebook Files تذكرنا بأن التكنولوجيا ليست محايدة دائماً، وأن القرارات البرمجية التي تُتخذ داخل الشركات الكبرى يمكن أن تؤثر في ملايين البشر حول العالم، أحياناً بطرق لا نلاحظها إلا بعد سنوات.
المصادر
- Facebook Files (تحقيقات وول ستريت جورنال) https://www.wsj.com/articles/the-facebook-files-11631713039
- جلسة استماع مجلس الشيوخ الأمريكي حول فيسبوك وإنستغرام والصحة النفسية للمراهقين https://www.commerce.senate.gov/2021/10/protecting-kids-online-facebook-instagram-and-mental-health-harms
- شهادة فرانسيس هاوغن الكاملة أمام مجلس الشيوخ الأمريكي (فيديو) https://www.youtube.com/watch?v=_IhWeVHxdXg
- بيان لجنة التجارة والعلوم والنقل بمجلس الشيوخ الأمريكي حول اتهامات تفضيل الأرباح على سلامة المستخدمين https://www.commerce.senate.gov/press/dem/release/following-two-weeks-of-hearings-sen-cantwell-calls-on-facebook-to-preserve-data-documents-related-to-testimony-the-company-misled-public-put-profits-over-safety-of-users
- مركز أخبار ميتا (الردود والبيانات الرسمية للشركة) https://about.fb.com/news/
- صفحة ويكيبيديا الخاصة بتسريبات Facebook Files (تضم روابط ومراجع متعددة للوثائق والتحقيقات الأصلية) https://en.wikipedia.org/wiki/2021_Facebook_leak
- تحقيق الغارديان حول وثائق فيسبوك وتأثير الخوارزميات والاستقطاب https://www.theguardian.com/technology/2021/oct/25/facebook-papers-reveal-how-company-ignored-warnings-over-divisive-content
- تقرير رويترز عن شهادة فرانسيس هاوغن واتهاماتها لفيسبوك https://www.reuters.com/world/us/facebook-whistleblower-testify-us-senate-hearing-2021-10-05/

